البيانات ودورها المحوري في تعافي الشركات بعد وباء "كوفيد -19"

لقد شكّل وباء "كورونا" المستجد (كوفيد -19) اختباراً لمرونة كافة الأنشطة التجارية تقريباً إلى أقصى درجة، حيث اضطرت العديد من الشركات إلى تعليق عملياتها بالكامل، وحتى الشركات التي لم يُسمح لها بمواصلة النشاط لا تزال تعاني تبعات ذلك. إن التحدي في التأقلم مع هذه التطورات لا يقتصر على سلاسل الإمداد المتعطلة والتقلب في سلوك المستهلكين فحسب، ولكن أيضاً في جاهزية الشركات للعودة إلى أوضاعها الطبيعية الجديدة بعد احتواء هذا الفيروس.

خلال الأوبئة السابقة وحتى قبل بضع سنوات فقط، كنا نعتمد أكثر بكثير على البديهة والخبرة لمحاولة استكشاف الأمور. ومع ذلك، هل كان بمقدورنا تحديد التغيرات الكبيرة في سلوك العملاء في الوقت الفعلي، بل والتفاعل معها بطريقة تضمن استمرارية سلاسل الإمداد ورضا العملاء، على الرغم من التقلبات الهائلة؟

فإذا لم يكن الأمر واضحاً من قبل، فإن شركات التجزئة تدرك الآن أن تحليلات البيانات لا تزال وستظل أهم أداة لديها من أجل تحقيق مرونة الأعمال والاستعداد للتعافي. وقد قمنا في "ماجد الفطيم" برصد أربع أولويات للبيانات من شأنها مساعدة شركات وتجار التجزئة على العمل بسلاسة بقدر الإمكان خلال هذه الأزمة، وتوقع سلوك العملاء في المستقبل بشكل أفضل، والمحافظة على ثقة العملاء.

الأولوية الأولى: التقاط البيانات في الوقت الفعلي

بالنظر إلى هذا الوباء، يبدو الأمر كما لو أن دور تحليلات البيانات كان أقل بشأن اكتشاف موجات كبيرة من اتجاهات المستهلكين الجديدة، بل كانت تركّز على تتبع سلوك العملاء المتغير بسرعة. وسواء كان الأمر يتعلق بتخزين منتجات معينة، أو الاهتمام المفاجئ بالتمارين الرياضية أو الأنشطة الداخلية، مثل صنع الخبز والكعك، فإن هذه السلوكيات تخضع جميعها للتغيير المستمر والمفاجئ. وبالنسبة لتاجر التجزئة، يتطلب ذلك سرعة هائلة والتقاط البيانات ومعالجتها في الوقت الفعلي. قد يزداد الطلب على منتج معين يومي الاثنين والثلاثاء، قبل أن يضعف الطلب على المنتج نفسه بعد ظهر يوم الأربعاء. فالشركة التي لا تستوعب هذا النوع من التقلبات ترتكب أخطاء فادحة في تقييم الأمور، وذلك عندما يتعلق الأمر بشراء الأسهم.

الأولوية الثانية: تحليل البيانات ليس مرة واحدة، بل مرتان

فرضت حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي حالياً تأثيراً هائلاً على معنويات المستهلكين. ومع ذلك، نشأت فئات متميزة من العملاء، وهم الأشخاص الذين تراجعت معدلات تسوقهم لتقتصر على الأساسيات فقط، ومن يستخدمون وسائل التسوق المريحة كآلية للتكيف.

ونحن في "ماجد الفطيم" نتلقى كماً كبيراً من البيانات المتعلقة بسلوكيات التسوق التي تتماشى مع الاتجاهات العالمية. فقد أظهرت البيانات أن المستهلكين يشترون المزيد من المواد الغذائية، خاصةً المواد غير القابلة للتلف مثل الفاصوليا المجففة ووجبات خفيفة من الفاكهة وحليب الأرفف وبدائل الحليب. وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أشارت شركة قياس وتحليل البيانات "نيلسن" إلى حدوث زيادة بنسبة 300% في بيع حليب الشوفان. من جانبها، أوضحت وكالة التسويق "كومان ثريد" أن مبيعات منتجات الأطفال على الإنترنت ارتفعت بنسبة 600%. وفي المقابل، أفادت العديد من العلامات التجارية البريطانية المتخصصة بالأزياء بحدوث انخفاض في حركة البحث والمبيعات بنسبة تصل إلى 70%، بينما يشهد تجار التجزئة المتخصصون في منتجات المنزل والأجهزة زيادة كبيرة في المبيعات.

إن التعرف على هذه الاتجاهات أمر مهم، ولكن يجب تحليلها ليس مرة واحدة، ولكن مرتانن. وبالنسبة لنا، فقد شهدنا زيادة بنسبة 600% في مبيعات معدات اللياقة البدنية. هذه الرؤية مهمة اليوم، ولكن عندما ننظر إلى البيانات، لابد أيضاً من التفكير في الـ 18 شهراً المقبلة أو أكثر من ذلك. ماذا يعني ذلك بالنسبة للمبيعات المستقبلية؟ الأمر نفسه ينطبق على منتجات النظافة. من كان يتوقع زيادة مبيعات الصابون والمنظفات بنسبة 3000%، ومتى نتوقع عودة المعدلات إلى طبيعتها؟

في الصين وأوروبا، سلط الباحثون في شركة "نيلسن" بالضوء على مؤشرات إعادة اكتشاف الطهي المنزلي، بينما كان هناك تحول في الطلب على الوجبات الجاهزة بالأسواق الآسيوية الأخرى. هل ستصبح هذه الأعمال الروتينية الجديدة عادات، أم أنها مؤقتة؟ إذا أظهرت لنا بياناتنا الآن تفيد بأن العملاء يشترون دائماً عناصر معينة معاً، فهل سيتغير ذلك خلال الأشهر الستة أو الـ 12 أو الـ 18 المقبلة؟

ستكشف لنا البيانات بالتأكيد بما لن يحتاج إليه العملاء خلال الأشهر المقبلة، حتى نتمكن من تحفيزهم من خلال التجارب الشخصية بناءً على ما قد يحتاجون إليه. في الواقع، فإننا نلاحظ تغييرات في المنتجات المختلفة التي يشتريها الناس، حيث ظهرت ثلاث شرائح بارزة. فقد شهدنا زيادة بأكثر من 1000% في عدد المشتريات الخاصة بالشوكولاتة مع المشروبات الغازية والبسكويت والرقائق، أو المشروبات الغازية مع الرقائق والبسكويت. وشهدنا زيادة بنسبة 2000% في المعاملات التي تتضمن مشتريات الخضار المجمّدة مع الخضار المعلب، أو مكونات الطهي، وأيضًا زيادة بنسبة 1000% في المعاملات التي تتضمن العصائر الطازجة أو الحليب الطازج مع الزبادي.

لا شك أن هذا النوع من التخصيص الذكي على نطاق واسع سيساهم بشكل حاسم في استعادة النشاط التجاري في سوق ما بعد الإغلاق. ستوضح البيانات أيضاً ما لن يحتاجه العملاء لبضعة أشهر. وفي الواقع، ونظراً لأنهم قاموا بتخزين العديد من المنتجات والمواد غير القابلة للتلف، يمكننا توقع موعد دورة الشراء التالية، ومستويات التعديل لمخزوناتنا وفقاً لذلك.

الأولوية الثالثة: استخدام البيانات لتوسيع نطاق التجارة الإلكترونية

منذ بدء إغلاق الأنشطة التجارية، اكتشف بعض فئات المستهلكين (مثل كبار السن) ودول بأكملها فجأة شغفهم بالتسوق عبر الإنترنت. ولنأخذ على سبيل المثال إيطاليا حيث أشارت تقديرات المحللين في شركة "إدجار دون" إلى ارتفاع معدلات التسوق لمنتجات البقالة عبر الإنترنت من 2% من الحصة السوقية إلى 20%. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، شهد تجار التجزئة نمواً في المبيعات عبر الإنترنت بين 80% و300%. ويفرض هذا الوضع تحديات لوجستية ضخمة. وتتحدث بعض الشركات الأمريكية عن توظيف عشرات الآلاف من الموظفين الجدد للتعامل مع النمو المفاجئ في عمليات التجارة الإلكترونية لديها. وبالتأكيد ستتيح لنا البيانات مجدّداً مؤشرات مبكرة حول التوسع بشكل صحيح، على الرغم من أنني أعتقد أن قدراً من هذه الزيادة سوف يستمر.

الأولوية الرابعة: بيانات الأعمال تنطوي على قيمة اجتماعية

يتعين على الشركات في أزمة كهذه اكتشاف القيمة الاجتماعية من البيانات لديها. ونحن في متاجرنا، على سبيل المثال، شهدنا زيادة في متوسط قيم المعاملات، إلى جانب انخفاض في عدد المعاملات. ويشير ذلك إلى أن العملاء يتبعون نصائح الخبراء التي توصي بتقليص مرات الذهاب إلى المتاجر من خلال شراء الكميات اللازمة من الاحتياجات الضرورية حتى تستمر أيام.

وبعيداً عن نطاق الأعمال التجارية، فإن البيانات من بائعي التجزئة تنطوي على إمكانيات هائلة لصالح أعمال الخير المجتمعية، سواء في أوقات الأزمات أو الظروف الطبيعية. ومن خلال تتبع سلوك المستهلك وربطها بأكواد مجهولة مع مجموعات البيانات الحكومية، فلا يمكننا تحديد الاتجاهات فحسب ولكن أيضاً دعم الحكومة المحلية في وضع برامج لتغيير السلوك الاستهلاكي للمساعدة في دعم المجتمعات، بدءاً من مبادرات أسلوب المعيشة الصحي، إلى تحسين عادات الاستهلاك وتقليل هدر الطعام .

إن العالم يواجه تحدياً لا يعلم أحد متى ينتهي. وسيكون لقطاع التجزئة دور فعال في إعادة تشغيل الاقتصاد العالمي بمجرد التغلب على هذا الوباء، وستساعدنا البيانات على تحقيق ذلك بسلاسة ونجاح بقدر الإمكان.


تود ان تكتب مقالة رأي لمدونة "براكيت"؟ اضغط على الرابط هنا لتعرف المزيد.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط "كوكيز" لتزويدك بتجربة أفضل وتحليل حركة مرور الموقع. باستخدام موقعنا، أنت تقبل استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.