حين أعلنّا أسماء الشركات الناشئة التي ستشارك في النسخة الخامسة من برنامج وادي السيليكون، لم نكن ندرك مدى التحوّل الذي ستحدثه هذه الرحلة لديهم على الصعيدين المهني والشخصي.

طيلة خمسة أيام، عرّف البرنامج 21 ريادياً ورياديّة من أربع دول عربية على بعضهم البعض، وعلى مستثمرين والأهم على طريقة جديدة بالكامل لإدارة الأعمال: طريقة وادي السيليكون.


جاءت الشركات المشاركة في نسخة هذا العام من البرنامج من قطر (برعاية بنك قطر للتنمية) ولبنان (برعاية المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارت في لبنان "إيدال") ومن البحرين (برعاية "تمكين") ومن فلسطين (برعاية مؤسسة "مينا كاتاليست").

شهدت الأيام الخمسة من برنامج تسريع الأعمال فرصاً للتعرّف إلى مستثمرين وزيارة مقرّات الشركات التكنولوجية والمشاركة في جلسات إرشاد وطبعاً في "تك كرانش ديسرابت" ـ سان فرانسيسكو. وخضع الرياديون والرياديات ليوم كامل من التدريب والإرشاد تضمّن ورش عمل حول البيئة التي تتطوّر فيها الشركة الناشئة وحول تحديد القيمة المقترحة لشركتهم والاستراتيجيات الخاصة بجمع التمويل والعناصر التي يجب أن تتوفّر في عروض المشاريع. وأخيراً، شاركت جميع الشركات الناشئة في "تك كرانش ديسرابت" ـ سان فرانسيسكو 2019 الذي يعتبر من أكبر المؤتمرات التقنية في العالم وعرضت مشاريعها هناك. والأهم، كان لدى الرياديين والرياديات الـ21 الفرصة للتواصل بشكل مباشر مع رؤساء تنفيذيين ومستثمرين والتعلّم منهم.

شكّلت التجربة فرصة من العمر لرواد الأعمال العرب المشاركين الذين سيعودون إلى بلدانهم ويبنون على الدروس التي تعلّموها في تجربتهم والنقاشات التي توسّع المدارك التي أجروها سواء مع مستثمرين أو مع الإعلام أو مع رواد أعمال آخرين أو مع مرشدين. ومن شأن التواصل الذي أقامه المشاركون مع المرشدين والمستثمرين أن يشكّل قيمة هائلة لهم لاسيما مع استمرارهم في تطوير ابتكاراتهم بناء على فهم أوضح لكيفية قيام رواد أعمال من أجزاء أخرى من العالم ببناء شركات مؤثرة.

واصلوا القراءة إذا أردتم معرفة تفاصيل كل يوم من هذه الرحلة.

اليوم الأول: زيارة "سيلزفورس تاور" وفيسبوك ومقر غوغل

على الرغم من تعب رحلة دامت 18 ساعة، كان جميع رواد الأعمال سعداء بزيارة أبرز مقرّات الشركات التكنولوجية في العالم والاستماع إلى مدراء الصفّ الأول فيها عن تجاربهم والدروس التي استقوها منها.

كان مجرّد التجوال في حرم هذه الشركات فاتناً، إلّا أنه كانت أمام الرياديين فرصة عظيمة للقاء العديد من المتحدثين والمتحدثات من كل شركة عرضوا ما يعرفونه عن البيئة الحاضنة للشركات الناشئة في وادي السيليكون.

بدأت جولة رواد الأعمال في "سيلزفورس تاور" حيث رحّب صديقنا بيني زافوس بالفرق وقادها في رحلة في البرج الذي تحوّل إلى معلم من معالم مدينة سان فرانسيسكو كأطول برج في المدينة. والتقى رواد الأعمال الـ21 بجوسلين فاوست (مديرة رسائل الشركة) التي قدّمت عرضاً عن "نجاح العملاء في الثورة الصناعية الرابعة". وتلا العرض نقاش وأسئلة تمحور معظمها حول خدمات "سيلزفورس" وكيف تتيح للشركات الناشئة جذب عملاء جدد والأهم المحافظة عليهم.

سنحت لجميع رواد الأعمال أن يكونوا جزءاً من أسرة "سيلزفورس" خلال الجولة على الطابق السابع والستين المعروف بـ"أوهانا". المثير للاهتمام هو أنّ الطابق الأخير في المباني المكتبية التقليدية غالباً ما يكون مخصصاً للمكاتب التنفيذية بينما في "سيلزفورس" الطابق مخصص للجميع للتواصل والعمل والاسترخاء على أنغام موسيقى الجاز يعزفها رمز الشركة: آسترو.

بعد انتهاء الجولة في "سيلزفورس"، استقلّت جميع الفرق الباص متّجهة إلى عملاق تقني آخر وهو فيسبوك. وصلت الفرق إلى "منلو بارك" عند وقت الغداء حيث شاهدوا بداية الشعار الشهير للإبهام المرفوع الذي يعلن وصول الجميع إلى مقر فيسبوك.

وخلال الزيارة جال رواد الأعمال على حرم الشركة والتقوا بوائل سلّوم، مسؤول البيانات في "واتساب" وهو أيضاً مستثمر ومرشد. وتحدث وائل في جلسة أسئلة وأجوبة مع الفرق المشاركة في الجولة عن مسيرته كرائد أعمال، وأفكاره عن سياسات البيانات والأخلاقيات المرتبطة بها كذلك عن سعيه للاستثمار في المبتكرين العرب سواء مالياً أو عبر مشاركة معرفته.

تلا ذلك نقاش مع 4 مسؤولين من أصل عربي في فيسبوك شاركوا الفرق قصصهم وما هو دورهم الحالي في فيسبوك. وانتهز رواد الأعمال الفرصة للسؤال عن دور فيسبوك كمحرّك جديد للمحتوى الإعلامي من خلال تطوير وخلق أدوات تواصل جديدة من شأنها جذب الجيل المقبل من المستخدمين. بالإضافة إلى ذلك، بدت الحماسة على روّاد الأعمال حين علموا كيف يمكن استخدام فيسبوك أكثر من مجرّد شبكة اجتماعية بل أيضاً منصّة للتعليم وإدارة البيانات والتواصل عبر الواقع الافتراضي.

والمفارقة أنّ اختتام النقاش الشيّق لم يكن بالأمر الصعب لاسيّما بعد معرفة الوجهة التالية للرياديين وهي: "غوغل بلكس" Googleplex.

فور وصولهم بالحافلة إلى "ماونت فيو"، جلس الرياديون مع أنس عثمان، نائب الرئيس لشؤون الاستراتيجيا والعمليات في "غوغل كلاود" الذي تحدّث إليهم عن الرؤية التي يعتمدها فريقه لغوغل كمحرّك للابتكار وريادة الأعمال. وعرّج عثمان أيضاً على كيفية نجاح غوغل في إرساء علامته عالمياً من خلال تكييف خدماته وحلوله مع حاجات المستخدمين. وقد استطاع من خلال حديثه الملهم أن يقدّم لروّاد الأعمال نظرة فريدة عن كيفية تعامل غوغل مع العقبات السياسية والأخلاقية والتقنية لاسيّما مع توسّع تأثيره ليشمل جميع أنحاء العالم.

اليوم الثاني: العديد من الدروس والكثير من العمل

كان البرنامج حافلاً بالأنشطة والمهام وفرص التعلّم، لذلك لم يكن هناك وقت لتضييعه. فقد شهد البرنامج في اليوم التالي تدريباً في "بوت آب فنتشرز" وهي منصّة تشاركية وإبداعية حاضنة للشركات الناشئة حيث يمكنها أن تنمو والشركات أن تبتكر.

بدأ الرياديون أولاً يومهم التدريبي مع إريك ماليس الذي يقود برنامج ابتكار الشركات الناشئة في "بوت آب فنتشرز"BootUp Ventures ومركز العقلية والابتكار في وادي السيليكون Silicon Valley Center for Mindset and Innovation. وقد أعطى ماليس ورشة عمل عملية لمساعدة الرياديين على تعريف قيمتهم المقترحة بما يقودهم إلى معرفة أية استراتيجيات تمويل يعتمدون. وعرّفت الجلسة الرياديين على عقلية وادي السيليكون لاسيّما على كيفية قيام العلاقات بين المستثمرين والرياديين. بعبارة أخرى، ما الذي تتوقعه الصناديق الاستثمارية من رواد أعمال اليوم من حيث الإجراءات لإرضاء العملاء والأبحاث الخاصة بالسوق.

بالإضافة إلى ذلك شارك الرياديون في ندوة مع آرون نيثاياناندام (نائب الرئيس في Americas at Compassites Technology Solutions والمستشار والمرشد في "بوت آب فنتشرز") وآشلوك راماسوامي (مدير البرامج والتمويل الاستراتيجي) حول استراتيجيات النمو التسويقي السريع والنماذج المالية المختلفة التي يمكن أن تعتمدها الشركة الناشئة.

وفي وقت لاحق من اليوم سنحت للفرق الفرصة للقاء الرئيس التنفيذي لـ"بوت آب فنتشرز" موكول آغاروال الذي تحدث مع الفرق بشكل عفوي عن كيفية الاختصار والاختزال في عروض الأفكار والمشاريع. وما جعل الحديث أكثر تشويقاً هو دعوته أعضاء الفرق لتقديم عروض أمام زملائهم خلال ثلاثين ثانية أو أقل. واستجاب بعضهم للتحدّي ونجحوا في تقديم شرح عن شركاتهم في المهلة المحددة. وكانت الجلسة صادقة جداً وحصلت الفرق على رأي شفاف وبنّاء ما سمح بمشاركة جميع الرياديين في تعلّم كيفية التفكير في عروضهم وتعديلها كلما اقتضت الحاجة. وكان الهدف من التمرين التركيز على أهمية الاختصار وضمان أن يكون لكل كلمة قدرة جاذبة لانتباه الجمهور.

وكان أبرز ما حصل في هذا اليوم هو توجّه رائد الأعمال المخضرم والمرشد والمستثمر د. أسامة حسنين، إلى الرياديين كواحد منهم حيث أخبرهم أنّه يعرف جيّداً إحساسهم لدى مواجهة الصعوبات والمخاطرة بدخول السوق من دون معرفة حقيقية بالنتيجة المتوقعة. وتحدث معهم عن قصته الشخصية كمهاجر وكيف استطاع تجاوز العقبات.

وأخيراً، اختتم اليوم بسلسلة جلسات إرشاد فردية نظّمتها "تك وادي" حيث شارك أعضاء الفرق في نقاشات مع مستثمرين ورياديين ومستشارين ومبتكرين حول كيفية تحسين نماذج شركاتهم وطرحوا جميع الأسئلة التي خطرت في بالهم. وأثبتت الجلسة بأنها ذات قيمة كبيرة لاسيّما أنّ كل ريادي وريادية كان لديهم بالفعل مجموعة من المسائل التي أرادوا معالجتها وكانت لديهم مواقف متنوّعة حيالها.

اليوم الثالث: "تك كرانش ديسرابت" ـ سان فرانسيسكو

في السنوات الأخيرة، تحوّل "تك كرانش ديسرابت" ـ سان فرانسيسكو إلى منصّة رائدة عالمياً في إطلاق الشركات الناشئة الثورية.

وأصبحت هذه الفعالية أساسية على أجندة كل رائد ورائدة أعمال في أنحاء العالم وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أيضاً. واستعمل أعضاء الفرق المشاركة في البرنامج وقتهم بأفضل طريقة خلالها عبر عرض ابتكاراتهم على جمهور عالمي من رواد الأعمال والإعلام والمستثمرين. وكذلك استخدم الرياديون "كرانش ماتش" Crunch Match وهي منصة مصممة خصوصاً لترتيب وجدولة الاجتماعات مع أفراد يتشاركون المصالح والفوائد المشتركة.

وكان جناح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منتصباً بشكل استراتيجي أمام مدخل منطقة المعارض خلال الفعالية حيث حضر العديد من المغتربين من المنطقة وكانوا سعداء بلقاء مبتكرين من بلدانهم الأصلية.

بالإضافة إلى ذلك، حضر الرياديون عدداً من الندوات وجلسات النقاش المرتبطة بمجال عمل شركاتهم الناشئة. ومن بين أبرز المتحدثين الذين اهتم الرياديون بالاستماع إليهم: مارك بينيوف (رئيس مجلس إدارة "سيلزفورس" ومديرها التنفيذي) وسام ألتمان (الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إي آي" OpenAI) وترافيس فاندر زاندن (الرئيس التنفيذي لـ"بيرد" Bird) إضافة إلى آخرين تحدثوا عن آخر الاتجاهات والابتكار في القطاعات ذات الصلة.

اليوم الرابع: اجتماعات مع مغتربين من المنطقة العربية

بعد انتهاء اليوم الثاني لـ"تك كرانش ديسرابت" ـ سان فرانسيسكو، توجّه جميع رواد الأعمال إلى فعالية تواصل وجلسة نقاش تحت عنوان "فكّر كصاحب رأسمال مخاطر" Think Like a VC جمعت أصحاب رأسمال مخاطر لدراسة الحالة الحالية للاستثمارات وعلاقة المستثمرين بالرياديين.

نظّمت هذه الفعالية "تك وادي" وهي منظمة غير ربحية تربط وادي السيليكون بالعالم العربي لتعزيز التنمية الاقتصادية وبدعم من منتدى MIT لريادة الأعمال في العالم العربي. وقد تبع ذلك جلسة أسئلة وأجوبة وتعارف وتواصل بين رواد الأعمال ومستثمرين وممثلين عن مسرّعات نمو.

اليوم الخامس: العودة إلى مقاعد الدراسة

في اليوم الخامس والأخير من البرنامج، توجّه رواد الأعمال إلى "يوديمي" Udemy وهي أكبر منصّة للتعلّم عبر الإنترنت في العالم.

بدأ اليوم بمحادثة عفوية وأسئلة وأجوبة مع إيفون تشن وهي نائبة رئيس قسم التسويق في "يوديمي" حيث تحدثت عن عملية بناء وتوسيع فريق التسويق خلال فترة من التغيير والابتكار المتواصلين. وقدّمت تشن لرواد الأعمال نصائح صريحة عن التوظيف من أجل التأثير وكيف يمكن للموظفين أن يكونوا أفضل من يمثل ويتحدث باسم العلامة التجارية للشركة الناشئة.

ولم يمر اليوم من دون مفاجأة إذ قرر غريغ كوكاري الرئيس التنفيذي لشركة "يوديمي" المرور بالمشاركين في برنامج وادي السيليكون 2019 والتحدث إليهم حيال مهمة الشركة وكيف يهدف فريقه إلى جعل التعليم في متناول الجميع في جميع أنحاء العالم.

في هذه المرحلة من البرنامج، كان روّاد الأعمال سعداء بالعودة إلى مكاتبهم مع مجموعة جديدة كاملة من المهارات والمعارف التي اكتسبوها خلال الأيام الخمسة للبرنامج والتي ستشكّل دفعة جيّدة لهم في خطواتهم التالية.

ويرغب منتدى MIT لريادة الأعمال في العالم العربي، مرة أخرى، أن يشكر الشركاء والمؤمنين الحقيقيين بأهمية إطلاق نسخة خامسة من برنامج وادي السيليكون: بنك قطر للتنمية لرعايته الوفد القطري والمؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارت في لبنان (إيدال) لرعايتها الوفد اللبناني و"تمكين" لرعايتها الوفد البحريني و"مينا كاتاليست" على دعمها. ونرغب أيضاً في شكر "تك وادي" للمساعدة في تنظيم الجولات وفعاليات التواصل.

وبالفعل كان من الملهم حقاً مقابلة رواد الأعمال العرب الذين شاركوا في برنامج وادي السيليكون هذا العام، بالإضافة إلى زملائهم المبتكرين من جميع أنحاء العالم. وتظهر هذه التجربة أنّ الجميع يحاولون تحسين حياة الناس، كل على طريقته الخاصة.


تود ان تكتب مقالة رأي لمدونة "براكيت"؟ اضغط على الرابط هنا لتعرف المزيد.